وزير الأوقاف يفتتح برنامج “وآمنهم من خوف” الرمضاني

03 مايو, 2021

أكد سعادة الدكتور غيث بن مبارك الكواري وزير الاوقاف والشؤون الاسلامية أن الحديث عن الامن الثقافي الاسلامي في الوقت الراهن حديث تستلزمه قضايا عديدة، مبينا انه في حين ما زالت نيران النزاع تستعر في بعض بقاع العالم اسلامي مجبرة ملايين الانفس البريئة على العيش في ملاجئ تفتقر الى ابسط شروط الحياة، ما زالت اغلب شعوب العالم الاسلامي تنشد الوحدة ورص الصف وتحقق الكرامة والانطلاق نحو افق جديد من التكامل والنمية المستدامة.

جاء ذلك في كلمة لسعادة وزير الاوقاف والشؤون الاسلامية اليوم، في افتتاح فعاليات برنامج “وآمنهم من خوف” الرمضاني بعنوان “الامن الثقافي الاسلامي واسئلة المراجعة والتجديد”.

وأشار سعادته الي انه لا تزال الاقليات المسلمة  في ديار غير المسلمين تنشد تصحيح الصور النمطية التي الحقها بهم النافخون في كير التعصب بنبرة تصاعدت في الفترة الاخيرة لتهدد الحقوق الثقافية لأبناء تلك الاقليات وتعصف بصور التعايش التي ضمنتها القوانين في تلك البلاد.

واضاف قائلا :”واكب هذا الوضع الصعب الذي تعيشه الامة الاسلامية موجة استقطاب مذهبي وصراع خفي وظاهر بين المرجعيات الدينية وتداخل غريب في الخرائط الدينية للعالم الاسلامي وانقسام حاد بين مفكريه بوسوم مختلفة، فعلماء معتدلون وعلماء متشددون وعلماء وسطيون الى غير ذلك من الوسوم والنعوت ، مشيرا الى ان كل فئة من تلك الفئات اجتهدت في مغالبة الاخرى وفي التدافع من اجل احتلال مساحات في الاعلام ومنابر التواصل الاجتماعي ولو بنفس شعبوي يخاطب العواطف عوض ان يخاطب الافكار ويحررها وفق مسار بناء ومنطق منسجم”.

وأشار الي أن التدافع ليس محصورا في الافكار بل تعدى الامر الى التنابز والتخوين والتجهيل وغير ذلك مما فتح لنفث افكار خاطئة خلطت كل الاوراق وعصفت بكثير من الثوابت خدمة لأجندات معينة وسياسات معلنة وغير معلنة.

وأكد وزير الاوقاف أن استحضار موضوع الامن الثقافي الاسلامي اصبح مطلبا اساسيا للمراجعة والتجديد،معللا بانه ليس من المعقول ان تستمر امة حباها الله تعالى بكل المقدرات الطبيعية والبشرية الضرورية للنهوض وبعمق حضاري وتاريخي مشهود رهينة وضع لا يليق بها رسمه لها البارئ عز وجل مستحضرا قول الله عز وجل :” وكذ?لك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا”.

واضاف: ان الامة معرضة دائما للاستهداف من طرف غيرها ومن اشد انواع الاستهداف تلك التي تنتج عن صراعات داخل الامة نفسها بين ابنائها تصادر سماحة الاسلام وتنتقض عراه وقواعده.

وقال سعادة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية: “ولنا أن نتصور آثار تداعي الأمم على أمة الإسلام، وما ينتج عنه من اختلالات في فضاء الأمة الجغرافي والثقافي، واختلال في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية وفي رؤيتها للعالم وفيما يتأسس عن الوهن من تسلط ومصادرة للحقوق وخضوع للآخر وضياع للمقدرات واخفاق الموعد مع التنمية المستدامة وارتهان للفقر والحوج والجهل”.

وأضاف سعادة الدكتور غيث بن مبارك الكواري وزير الاوقاف والشؤون الاسلامية في افتتاح فعاليات برنامج “وآمنهم من خوف” الرمضاني :” إن الاختلالات التي ذكرنا تبقى ذات طبيعة عرضية إذ إن الأصل في أمة الإسلام أنها أمة شاهدة على الناس أمة داعية إلى الخير آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر قال تعالى “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”، وقال عز وجل”ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون”.

مشيرا الى انه عند محاصرة الاختلالات العرضية يتحقق الأمن الثقافي الشامل للأمة وتترسخ مآلاته الموجبة المفضية إلى الطمأنينة في عالم الفرد والجماعة وإلى الاستخلاف في الأرض بكل أبعاده المحققة للتنمية والعمار والنافية للخراب والتطرف والدمار، يقول الله تعالى “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونيي لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون”.

وتابع سعادته: إن تحقق الاطمئنان وانتفاء خطر الخوف بتحقق المجتمع المؤمن الآمن الذي يقوم فيه الدين وتصان فيه الحقوق والأنفس والعقول، يجعل الأمة في مسارها الصحيح، أمة ناقلة للقيم إلى العالمين، لأن أمن الأمة ليس ينحصر عند حدودها الجغرافية بل يتعداها ليشمل الإنسانية كلها وفق سنة التعارف.

وأردف سعادته: والواقف على مفاصل هذا التعريف ييقن ارتباط مفهوم الأمن الثقافي الإسلامي الشامل بكافة مجالات حياة الأمة المسلمة،وهو مفهوم يتوافق ورسالة الإسلام، وفي ضوئها استطاع المسلمون في فترات طويلة من التاريخ الاسهام في الحضارة الإنسانية واستطاعت المجتمعات المسلمة أن تستضيف وتستوعب هويات عديدة دينية وثقافية وإثنية ولغوية وترسم معها مسارات للابتكار والابداع وصور من العيش المشترك يصعب تجاوزها حين يتم الحديث عن تعارف الثقافات وتحالف الحضارات والتسامح والتنوع الثقافي وغيرها من الموضوعات والمفاهيم الجارية في زماننا.

وأشار إلى أن ارتباط الأمن الثقافي الإسلامي بالهوية والقيم حاسما عبر تاريخ المسلمين ومن خلالها تأسست علاقات المسلمين بغيرهم وعلاقاتهم فيما بينهم وعبرهما استطاعت مجتمعات المسلمين أن تتنوع وتتعدد دون أن تتنافر وتتآلف دون أن تختلف، فكانت لمجتمعات الجزيرة وبلاد الرافدين والشام خصوصياتها ولمجتمعات شمال افريقيا والأندلس والسودان الغربي في افريقيا جنوب الصحراء خصوصياتها وكانت لمجتمعات مسلمي آسيا والأناضول خصوصياتها.

وقال سعادة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية إن المجتمعات الإسلامية تآلفوا على هوية جامعة وقيم سمحاء مع التعددية اللغوية والثقافية والاثنية، وفي كل الفترات التي اختل فيها وعي المسلمين بهويتهم وثقافتهم كانت تمتد مساحات من الضعف وأدوار من الفتن، لم يتم تجاوزها إلا بعد تبني فكر ثقافي يجدد وعي الأمة بأمنها الثقافي الشامل، ويضمن حدا من المراجعات دون المساس بالقطعيات، وكان سبيل رموز الإصلاح من المجددين المسلمين الرجوع بالدين إلى أصوله النقية الزكية، وتقديم رؤى لتحرير المفاهيم المستجدة وفق منهج تأصيلي دقيق يستوعب الحي من الأفكار ويمكن الأمة من الاستمرار الحضاري مسترشدة بكتاب الله وسنة رسوله الكريم.

ولفت الكواري إلى أنه ووفق آليات مراجعة مفهوم الأمن الثقافي الإسلامي الشامل استطاعت الأمة أن تتجدد لتستوعب الوقائع الجديدة وتصلح الخلافات بين فصائلها الداخلية، كما نجحت في أن ترسم حدود انفتاحها على غيرها دون أن تتلون خطاباتها إلى غيرها بانقساماتها المذهبية والإثنية واللغوية.

وأكد أن الصورة السلبية الشائعة عن الإسلام والمسلمين ليست ترجع في كليتها إلى رفض الآخر مراجعة أفكاره المسبقة عن الإسلام والمسلمين، الموروثة عن أزمة التعصب والمجابهات الحربية التي حدثت في التاريخ، إن لها امتدادات أخرى في نوع خطاب البلاغ السائد بين المسلمين أنفسهم، مؤكدا أن تطويق آثار الإسلاموفوبيا وتصحيح صورة المسلمين يمر أولا عبر إعادة بناء الأمن الثقافي الإسلامي الشامل،ومعاودة النظر إلى لغات الخطاب الديني السائدة اليوم، وبناء تصور لذلك في البحث العلمي داخل الجامعات العربية والإسلامية، ودوائر التفكير في العالم الإسلامي، واخضاع تلك المؤسسات للمراجعة الدورية.

كما أكد أنه لا يعقل أن يكون وضع اللغة العربية متأزم في بلاد المسلمين، وفيها من المجامع اللغوية ومراكز التعليم، وتعليم العربية للناطقين بغيرها الكثير، كما لا يعقل أن تتعدد دور الإفتاء ومؤسسات العلماء من دون أن تستطيع تنسيق المواقف حيال القضايا المستجدة على الأمة،وعلى استراتيجية شاملة محكمة لإعداد الوسطاء الحضاريين لبناء الأقليات المسلمة في البلاد الغير المسلمة.

ونوه إلى أن الوضع الراهن لبعض الأقليات المسلمة مقلق للغاية وقد صار محط مزايدات سياسية بل إن بعضها يتعرض للتضييق والإبادة والملاحقة، وهو ما يتطلب برامج خاصة لإيصال صوتها إلى المحافل الدولية ووضع استراتيجية لحماية حقوقها الدينية والثقافية، وتعزيز الثقافة الإسلامية المعتدلة، بين أبنائها لأنها الوسيط الحضاري الأنسب للحوار مع المنظومات الثقافية والدينية التي يعيشون بين ظهرانيها .