د. أحمد الجنابي: اللغة العربية بحاجة لتطبيق لتجاوز الأخطاء الرقمية

19 أغسطس, 2021

كثيرة هي الإشكاليات التي تواجه اللغة العربية، في داخل مجتمعاتها، وفي مقدمتها تلك الهالة التي يفرضها الناشئة على أنفسهم باختزالها في النحو والصرف، خلاف تحديات أخرى تواجهها، منها مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أصبحت من مهددات الضاد.
وللوقوف على أبرز التحديات التي تواجه الضاد. التقت “الشرق” الدكتور أحمد الجنابي، خبير اللغة العربية والمشرف على مبادرة مرقاة قطر للخطابة، والتي يقدمها الملتقى القطري للمؤلفين. وعرج اللقاء على الدور المأمول من فعاليات الدوحة عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي 2021 لتعزيز مكانة اللغة العربية، والدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الفعاليات إزاء ذلك.
وعرج الحديث عن طبيعة مبادرة قطر للخطابة ذاتها، ومدى تفاعل المشاركين فيها، علاوة على التوقف عند العلاقة بين تلك الثلاثية، وهي الماضي والحاضر والمستقبل، إلى غير ذلك من محاور طرحت نفسها على مائدة الحوار التالي:

من خلال إشرافكم على مبادرة مرقاة قطر للخطابة، ما توصيفكم لمدى تفاعل المشاركين في هذه المبادرة ؟

مبادرة مرقاة قطر للخطابة من مبادرات الملتقى القطري للمؤلفين في وزارة الثقافة والرياضة، وقد تجاوزنا الجلسة العشرين، وقدم فيها المتنافسون العديد من الخطب الارتجالية، والنقدية، والمحفوظة، والمكتوبة، وتفاعل معها الجمهور من المواطنين والمقيمين من الخطباء والمحكمين، وقد سميت هذه الدورة بحولية قس بن ساعدة الإيادي أشهر خطباء العرب، ويتنافس الخطباء حاليًا على المراحل النهائية ليتخرج فيهم الخطيب المرتجل، والخطيب الناقد، والخطيب الحافظ، والخطيب القارئ.

إرث خالد

وهل تعتقدون أن أهمية الخطابة أصبحت إرثاً من الماضي، أم أن الواقع يفرضها، بكل ما يواجهه من تحديات؟

**الخطابة لها اسم معاصر يصطلح عليه بالتواصل، فمهارات التواصل هي مهارات الخطابة، من لغة الجسد، ونبرة الصوت، والمقدمة والمضمون والخاتمة، والمحتوى الهادف، ومراعاة مستوى المخاطب والمتلقي، وهكذا، فالخطابة إرث خالد وتالد، شهد تأخرًا نعم لأن الخطابة حصرت في منبر المسجد، في حين أن منصاتها في الحياة كلها، ثم إن الفنون اللغوية الأخرى أثرت فيها مثل الرواية والشعر والقصة فهذه لها مسابقات سنوية، بينما الخطابة تفتقر لمثل هذه الأنشطة إلا ما ندر، لذلك إحياء هذا الفن العربي الأصيل من خلال مبادرة مرقاة قطر للخطابة والموضوعات العصرية التي نتناولها بأسلوب أدبي هو خطوة في النهوض بالواقع اللغوي الذي لا نحسد عليه.

مفردات الحياة

في هذا السياق، كيف يمكن تصحيح الصورة المغلوطة بشأن التراث، وأنه بالرغم من كونه جزءًا من الماضي، إلا أنه يشكل الحاضر، ويصنع المستقبل؟

اللغة مفردة من مفردات الحياة، ومثلما انبهر الناس بالحياة العصرية على مستوى المأكول والملبوس فما فوقه، كان الانبهار وراء الثقافات الأخرى والحضارات، فكانت النظرة للتراث توسم بالرجعية والتخلفية وغيرهما من الوسوم، وفي الدَرس اللغوي المعاصر هناك توجه نحو اللسانيات المترجمة والألسنية الحديثة في حين كنت أقول وما زلت إنني أراهن على تأصيل كل نظرية لسانية في تراثنا لأنه اشتراك إنساني؛ فالبحث اللغوي في كل لغة يوصل إلى نتائج ودراسات مشابهة، فالتراث العربي غني لكنه لم يخدم، فما حقق من التراث لا يتجاوز العشرة بالمائة، وما فقد ودمر فأضعافه عشرات المرات، وهنا لا أدعو إلى الاتكاء على عصا التاريخ والماضي؛ بل الاعتزاز به والفخر، وأن تكون لمساته حاضرة في حياتنا المعاصرة، وفي رؤى مستقبلنا من خلال الأسماء والمسميات، والماديات والمعنويات.

تحديات اللغة

برأيكم، ما أبرز التحديات التي تواجه اللغة العربية داخل مجتمعاتها، لا سيما في ظل ما يعتريها من تنوع في جنسيات الناطقين بغيرها؟

كنت قد كتبت بحثًا وقدمته في أحد المؤتمرات عن واقع اللغة العربية للناطقين بها، وتناولت فيه الدرس العربي في المدارس والجامعات، على مستوى مناهج التدريس ومناهج البحث، والمكتبة العربية اللغوية، وختمته بالمشروعات اللغوية العربية القائمة، وتوصلت فيه إلى أهمية السياسة اللغوية في كل بلد عربي أو ناطق بالعربية، بدءًا بقوانين حماية اللغة العربية من الهجمات العامية الدارجة والأجنبية الغازية داخليًا، ومرورًا بعدد ساعات تدريس اللغة العربية في المؤسسات التعليمية، وانتهاءً بضرورة تعزيز اللغة من أجل الحفاظ على الهوية والتراث والحضارة، وأردد المقولة المشهورة بأن الأمة لا تنهض إلا بلغتها.
وتنوع جنسيات الناطقين بالعربية واختلاف قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم وأفكارهم وأماكنهم هذه علامة قوة من حيث انفتاح العربية على الآخرين، واستيعاب الجميع، فالخلاف في اللغة والاختلاف فيها أثرى العربية من أيام مدرستي البصرة والكوفة؛ إذ أن التفكير اللغوي يولد نشاطًا يصل إلى حد التنافس بين المدن والأشخاص على حد سواء.

تعزيز مكانة الضاد

برأيكم، ما هو المأمول لفعاليات الدوحة عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي 2021، لتعزيز مكانة اللغة العربية، خاصة وأنها لغة القرآن الكريم، ما يضفي عليها أهمية كبرى تتجاوز فيها اللسان العربي؟

في البدء أغتنم هذه الفرصة للإشادة بفعاليات الدوحة عاصمة للثقافة في العالم الإسلامي 2021، إذ إنه عام مقيد الحركة والنشاط بسبب الأزمة الصحية؛ ولكن مع ذلك فقد كانت الفعاليات حاضرة وبقوة عن بعد بعدد مفتوح، وعن قرب بعدد محدود، والتسجيل والنشر محفوظ في وسائل التواصل، وهذا بحد ذاته إثراء للمحتوى العربي بشكل عام، ومنذ انطلاق الفعاليات كانت هناك عناية واضحة باللغة العربية من خلال البرامج على مستوى الخط العربي، والخطابة باللغة العربية الفصحى، والشعر الفصيح، والهوية العربية، والتراث العربي، وعناية بالقرآن الكريم والسنة والسيرة النبويتين، وكذا الرواية والقصة والترجمة وغيرها من الآداب والفنون والعلوم.
أما ما يؤمل من الدوحة في هذا السياق فهو حملة وطنية لتعليم اللغة العربية للمقيمين من الموظفين والعمال من الجنسيات كافة بالتعاون مع الوزارات والشركات والقطاع العام والخاص وحتى البيوت؛ لأن البيوت أيضًا فيها أيد عاملة، فلو تم استهداف أكثر من مليون ناطق بغير العربية تقريبًا في قطر لكانت حركة لغوية مهمة مميزة، منها الاندماج الثقافي في المجتمع، ومنها نشر اللغة العربية في العالم من خلال مقيمي قطر.

مهددات العربية

هل ترون أن مواقع التواصل صارت أحد المهددات للغة العربية، وأن بعضهم لم يُحسن توظيفها لصون اللغة، وتعزيز مكانتها؟

إن المتواصلين في المواقع هم المجتمع، والمجتمع الذي لغته الفصحى ضعيفة يلجأ إلى العامية، والكتابة الإملائية تعكس مدى ثقافة الكاتب، ولذلك قسم من الناس يستخدم الرسائل الصوتية للتخلص من الكتابة، فمواقع التواصل مليئة بالأخطاء اللغوية، وهناك تطبيقات وبرامج للتصحيح الإملائي لكنها لا تغني عن المهارة البشرية الذاتية المكتسبة، كما أن الكتابة التلقائية الإلكترونية توقع الناس في أخطاء هم برآء منها، وهي من العجلة في استخدام لوحة المفاتيح.
واللغة العربية تفتقر إلى تطبيق إلكتروني عالي المستوى يسعف مستخدميه لتجاوز الأخطاء، وفي الوقت نفسه فيه خاصية التعليم المستمر.

إشكاليات الناشئة

من أبرز الإشكاليات التي تبدو في مجتمعاتنا أن الناشئة يختزلون اللغة العربية في النحو والصرف، وخاصة لدى الدارسين منهم، ما يجعلها عصية على الفهم، فكيف يمكن تصحيح الصورة النمطية لتيسير قواعد اللغة، مع الترغيب فيها؟

علوم اللغة العربية اثنا عشر علمًا: اللغة (المعجم)، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والبديع، والعروض، والقوافي، والقراءة، والكتابة، والاستماع، والتحدث، فالنحو والصرف هما من علوم اللغة العربية، وعليهما مدار العلوم الأخرى، والخلل ليس فيهما، فقد يكون في الدارس، أو المدرس، أو طريقة التدريس، أو المنهج المقرر، والعملية النحوية والصرفية تحتاج إلى تركيز فهي رياضيات اللغة، وتحتاج إلى ممارسة وتطبيق للقواعد، وذلك من خلال المهارات اللغوية حتى يظهر النحو والصرف في كلامك وأنت تتحدث، وفي قلمك وأنت تكتب، وهكذا. فالنحو والصرف يحتاجان إلى رغبة وهمة، وإلى مدارسة ومداومة، وإلى مراس ومران ومزاولة.

المصدر: «جريدة الشرق»