خبراء: طفرة في العمارة التراثية القطرية الإسلامية

25 مايو, 2021

 

 

أكد عددٌ من المختصين في العمارة الإسلامية أن قطر أصبحت تشغل حيزًا مهمًا في الساحة المعمارية بمحيطها الإسلامي، وذلك بما شهدته من صحوة ثقافية كبرى، أعادت شيئًا مفقودًا ومهمًا من تراثنا إلى مساجدنا، وهو ما اعتبروه أحد الأسباب العديدة لاستحقاق قطر لتكون عاصمة الثقافية في العالم الإسلامي 2021.

جريدة “الراية” القطرية التقت ببعض الخبراء الذين استعرضوا كنوز الحضارة الإسلامية في قطر، فقدموا رصدًا تفصيليًا يوضّح تطور العمارة القطرية حتى وصولها مبلغ الدقة والجمال والمظهر التراثي الذي يتجلى في إطار مُعاصر لا يضر بالهُوية، مؤكدين أن الدقة التي باتت تتوج كافة الجهود المبذولة في تطوير الدولة، ومنها العمل الجاد على إعادة إحياء التراث الشعبي القطري، وهو الأمر الذي خلق نوعًا من الصحوة في الخليج بأكمله، حتى امتدّ للعديد من المناطق، كما أشاروا لامتزاج أصالة التراث القطري وفن الحضارة الإسلامية في العديد من تصاميم المساجد التي نراها اليوم، ما يزيد من جمال وبهاء دولة قطر.

محمد علي عبدالله :المكتب الهندسي أعاد إحياء العمارة الإسلامية

ركّز المهندس محمد علي عبدالله على الأصالة الإسلامية للمساجد في قطر وإعادتها لشكلها الذي كانت عليه منذ عهد المسلمين الأوائل، قائلًا: قبل قرابة عشرين عامًا، لم تكن هناك خُطة واضحة من حيث الجانب الشكلي لما يجب أن تكون عليه المساجد، وبعد أن شهدت البلاد هجرات كبيرة إليها أدت إلى تضاعف السكان عدة مرات، فلم تعد الموارد البشرية التي كانت تبني في مرحلة ما قبل النفط كافية لتلبية الطلب، من بنائين ومعماريين، ما أوجب الاستعانة بالخبرات الهندسية الخارجية، من بلاد الشام ومصر، وآسيا. لذا فقدنا في خضم ذلك التطوير والهجرة بعضًا من معالم بلادنا التراثية والأثرية، فيما عدا القليل منها وتحوّل إلى متاحف، إلا أن ثمّة صحوة ثقافية كبرى حدثت في قطر، أعادت شيئًا مفقودًا ومهمًا من تراثنا الإسلامي إلى مساجدنا، فمع بداية عمل المكتب الهندسي الخاص في عام 2003م، أصبح هناك اهتمام بمراجعة تصميمات المساجد بصفتنا الجهة المسؤولة عن التراث في قطر، وكان توجّه الدولة واضحًا بأن تكون مناراتها على غرار المساجد القطرية في القرى وبالأخص تلك التي لم تندثر في شمال قطر. وكانت هذه فرصة ذهبية لتصحيح ما جرى لأهم بناء في العمارة القطرية.

وأكد أنهم من هنا بدؤوا في دراسة المساجد القطرية القديمة قبل الإصابة بمصيبة التحديث والتطور، فرجعوا إلى تراثنا الحي في شمال قطر وفي المساجد القديمة عمومًا. فوجدوا أن المسجد القطري القديم حافظ على مخطط بنائه منذ أن اختطه الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، حيث نقل الأوائل من سكان الخليج مخطط المسجد في المدينة وهو الرواق القبلي والمداخل الثلاثة، بالإضافة إلى الأروقة الجانبية التي كانت تستخدم للحماية من الشمس واللجوء إليه وقت الشدة.

ونوه إلى أن كل المساجد التي قاموا بمعاينتها وجدوا أنها احتفظت بهذا التخطيط، كما أن وجود الحمامات كان في المكان المناسب له بحيث لا تصل الروائح لحرم مكان الصلاة، وهو ما يعني انتباههم لجهة هبوب الرياح وتوجيه تلك الروائح بعيدًا دون مراوح أو أجهزة أو استخدام أي تكنولوجيا في هذا الجانب.

أحمد النصر: العمارة القطرية تمزج بين التراث والحداثة

يؤكد المهندس أحمد النصر أن فن العمارة الإسلامية يُعد من أدق وأروع صور التعبير عن الحضارة الإسلامية والنهضة العلمية التي كانت عليها الأمة الإسلامية، ومع أن المسلمين تأثروا بحضارات أخرى، لكنهم لم يألوا جهدًا للإبقاء على الهُوية الإسلامية ليكوّنوا طابعًا خاصًا بهم، وشكلًا مُتفردًا. وعن إسهامات قطر في ذلك، قال: ترتفع بها صروح تعكس فن الحضارة الإسلامية بوضوح، فكانت جديرة لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية. مضيفًا: لعل من أبرز تلك الصروح التي تزين العاصمة القطرية وضواحيها على سبيل المثال لا الحصر جامع المدينة التعليمية، ذلك المبنى العصري ذو الهُوية والطابع الإسلامي، والمستوحى من طابع العمارة الإسلامية، حيث يتمثل ذلك في المئذنتين العاليتين والنقوش الإسلامية العديدة التي تزخرف جدرانه الخارجية والداخلية.

وأضاف: إن متحف الفن الإسلامي يعدو كذلك أن يكون منارة التراث الإسلامي، فهو ذو مسطحات خارجية مصممة على شكل القصور الإسلامية القديمة، التي تم تصميمها لتُضفي أشعة الشمس الساطعة ظلالًا وتدرّجًا على ألوان حوائطه وأرضياته الخارجية والداخلية لهذا الصرح الكائن في مياه الخليج العربي، كما أن مسجد الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، وما به من ساحات خارجية للصلاة وما تعتليه من القباب المرصوصة بشكل تتابعي ذات الطابع الإسلامي العتيق، يمثل أحد صروح فن العمارة الإسلامية، وغيرها الكثير من الصروح الأخرى القديمة والحديثة. مشيرًا إلى أن دولة قطر تبنت عمارة الفن الإسلامي كأساس لتصميم الكثير من المرافق الحكومية بالإضافة إلى المتاحف والمساجد للحفاظ على الهُوية وفن العمارة الإسلامية، وأوضح أن كتاب «العمارة التقليدية في قطر» للكاتب الراحل محمد جاسم الخليفي كان قد جمع توثيق وتسجيل التراث المعماري في دولة قطر النابع من الهوية والتقاليد العربية الإسلامية، بما يُعد مرجعًا للباحثين والدارسين والمهندسين، المهتمين بالتراث المعماري والإسلامي بصفة خاصة في دولة قطر.

وأبرز أنه كما أخذت دولة قطر على عاتقها الحفاظ على ملامح تصميم التراث الإسلامي ممزوج بالتصميم العصري، فإن المساجد تشهد نهضة وطفرة عمرانية كبيرة وفريدة من نوعها على مستوى المنطقة، وذلك لما يتم اتخاذه من إجراءات في مراحل التصميم والتشييد ومن ثم الصيانة العامة للمساجد، حيث الحفاظ على ما تم الوصول إليه من رقي في عمران المساجد والخدمات المتوفرة بها لا سيما أنها دور عبادة يجب أن نحافظ عليها ببنائها الأنيق والجميل.

أحمد الجولو: مساجدنا يسودها الطابع المعماري التقليدي

المهندس أحمد جاسم الجولو الرئيس السابق لاتحاد المهندسين العرب أوضح أن العمارة الإسلامية أحد أشهر أنماط البناء في العالم لتميّزها بجمال زخرفتها وجمال ألوانها وأشكالها الهندسية، مُشيرًا إلى أن قطر تشهد طفرة نوعية في تصميم وتنفيذ المساجد التي يسودها الطابع المعماري التقليدي المُستوحى من عمارة المساجد الإسلامية، التي تتمثل في جامع محمد بن عبدالوهاب الذي يمتاز بسعته الكبيرة وقبابه الكثيرة وتصميمه المُستوحى من العمارة المحلية، كذلك مسجد كتارا الكبير، الذي يمتاز بخطوطه الإسلامية ونقوشه وألوانه الزاهية، والعديد من المساجد الأخرى المُنتشرة في البلاد.

وأوضح أن العمارة الإسلامية برزت منذ القرن السابع الميلادي، وقامت الطلائع الإسلامية في صدر الإسلام بنشرها في جميع بقاع العالم، وما زالت آثارها باقية حتى الآن، حيث تمثلت قمة الروعة وجمال العمارة الإسلامية في المساجد التي أنشأها المسلمون في شتى بقاع الأرض، فكان المسجد هو مركز تلاقي المسلمين لتدارس أوضاع وشؤون المسلمين، إلى جانب كونه مدرسة لتلقّي العلوم في شتى مجالاتها.

وأضاف: لذا اهتم المسلمون في بناء المساجد ومنحوها القدوة في العمارة الإسلامية، فالداخل إلى هذه المساجد يجد روعة التصاميم والأشكال الهندسية والزخارف والألوان الزاهية، وكذلك التقدم العلمي الهندسي من ناحية تصميمها وتنفيذها، حيث استخدمت في هذه المساجد نماذج هندسية مُتميزة ما زال المعماريون والمهندسون يستخدمونها في تصاميمهم كالقباب والأقواس والمقرنصات، وشدد على أن المهندسين قاموا باستخدام هذه النماذج المعمارية والهندسية نظرًا لكفاءتها في التصميم، فاستخدام القباب على سبيل المثال يعطي مُتسعًا كبيرًا للمسجد مع التقليل في استخدام الأعمدة، وتخفيف كمية الخرسانة المُستخدمة.

محمد النعيمي: رؤية 2030 تهتم بالعمارة الإسلامية

يرى المهندس محمد حسن النعيمي، المحكّم الهندسي وعضو اتحاد المهندسين العرب، أن دولة قطر أوْلَت خلال العقود الأخيرة اهتمامًا كبيرًا بفنون العمارة الإسلامية، ما جعلها تستحق أن تكون عاصمة للثقافة الإسلامية، فكانت رؤية قطر ٢٠٣٠ من أهم العوامل المؤثرة على تصميم المباني والمساجد، التي تهدف إلى الحفاظ على التراث والهُوية الإسلامية، حيث امتزجت أصالة التراث القطري وفن الحضارة الإسلامية في العديد من تصاميم المساجد التي نراها اليوم مثل مسجد مشيرب الذي تميّز بتصاميم هندسية إسلامية ممزوجة بالتراث القطري>

وقال: من المعلوم وجود قلاع تاريخية إسلامية في قطر منذ العصر العباسي، وهو الأمر الذي يؤكد وجود فن العمارة الإسلامي منذ أكثر من 1000 سنة، ولذلك فإن الفكر المعماري الإسلامي في قطر لديه الكثير من مصادر ومراجع البناء التاريخية التي يستطيع الاستفادة منها. ولفت إلى أن أهم أسباب تنوع التصاميم ومزج العديد من الحضارات في مكان واحد يرجع للتعاون مع مُصممين معماريين من ثقافات منوعة، فعلى سبيل المثال فإن جامع كتارا المميّز بتصاميمه الهندسية وطرازه الإسلامي الرائع هو من تصميم مهندسة تركية. كما أشار إلى أن متحف الفن الإسلامي يشغل دورًا مهمًا في استقطاب الفنون الإسلامية من جميع الحضارات، فضلًا عن دوره في إبراز الفن الإسلامي وهُويته البصرية التي بدورها تنعكس على تصاميم المساجد والمباني في قطر.

المصدر : جريدة الراية