خبراء آثار: المواقع الأثرية تعزز دور قطر في النهوض بالثقافة الإسلامية

06 يوليو, 2021

 

أكد عدد من خبراء الآثار والتاريخ أهمية المواقع الأثرية في تعزيز الثقافة الإسلامية، وذلك على خلفية فعاليات الدوحة عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي 2021، لافتين إلى أن هذه المواقع وما تحويه من كنوز معرفية وشواهد تاريخية، ساهمت في إثراء الثقافة، كما أن التنوع الثقافي يعزز الارتباط بتاريخ الأمة الإسلامية وحضارتها.

وقالوا في استطلاع إن المواقع التراثية بمثابة مؤسسات ثقافية تستهدف نشر الوعي بالتراث والحضارة ومنجزاتها المعمارية، مشيرين إلى حرص الدولة على رعاية العديد من المواقع الأثرية في العالم الإسلامي، لدور هذه المواقع في إبراز الدور الحضاري للأمة الإسلامية.

وأضافوا أن الدوحة بكل ما تتفرد به من مواقع أثرية أصبحت فضاءً زاخرًا بالفعل الثقافي، ومرآة للتنوع التراثي، ونموذجاً للحوار مع الآخر، وشاهدة على ثراء الثقافة المحلية، وهو ما عزز دور قطر في تعزيز الثقافة في العالم الإسلامي.

يقول د. محمد خليفة الكواري، الأستاذ في قسم العلوم الإنسانية بكلية الآداب والعلوم في جامعة قطر، إن قطر تعد من أوائل الدول التي دخلت في الإسلام منذ عهد النبوة، كما أن هويتها العربية تمتد إلى ما قبل الإسلام، إذ إن قطر عُرفت باسمها الحالي منذ أكثر من 2000 عام.

ويتابع: إن لموقع قطر في منتصف الساحل الغربي للخليج العربي دورا مهما في الحضارة الإسلامية، وانعكس ذلك على فن العمارة المحلية، وملاءمة هذه العمارة للظروف الطبيعية الصحراوية للدولة. مشيراً إلى أن الكثير من المواقع الأثرية المحلية شاهدة على هذه العمارة التي توارثتها الأجيال عبر التاريخ، وأن بعض مواد البناء المحلية والمستوردة مثلت جزءاً من تاريخ العمارة في قطر.

كما يشير إلى أن قطر أعادت ترميم الكثير من المواقع، وأصبحت تاريخاً حياً وشاهداً على فن العمارة الإسلامية، مثل الأسواق كسوق واقف وسوق الوكرة القديم، بالإضافة إلى القلاع، ومنها قلعة الزبارة وقلعة الكوت، بجانب المنازل كقصر الشيخ عبدالله، وكذلك قصر الشيخ علي بن عبدالله في الكرعانة، بجانب بعض المساجد، والتي تتميز بطابعها البسيط وكذلك بعض القرى.

ويصف الطابع المعماري الإسلامي المحلي بأنه يتواءم مع فن الزخرفة الإسلامية وهي الأشكال الدائرية والمائلة والتي عرفت بها العمارة الإسلامية والتي تبعد عن الأشكال المستقيمة حتى لا يؤدي تقاطعها إلى تشكيل هيئة الصليب التي تميزت بها العمارة الغربية، لافتاً إلى أن مواد البناء المحلية والمستوردة تشير إلى أن قطر كانت لها علاقات تجارية دولية.

ويقول إن المباني تميزت بنقوش من الجبس، بينما كان البناء من الحجر والطين والأخشاب، ولم تكن مساحات المباني كبيرة، لتوفير أقصى قدر من الظل لها، كما أن سمك جدرانها كان يصل بعضه إلى قدمين ونصف وهي من الطين والحجر، وهي مادة غير موصلة للحرارة، لذلك تميزت هذه المباني بانخفاض درجة حرارتها صيفاً ودفئها شتاءً. أما الممرات بين هذه المباني فكانت ضيقة لا تتعدى في أوسعها ثلاثة أمتار وأدناها يصل إلى ثلاث أقدام وكان هذا النمط من السكك لا يسمح بوجود أشعة الشمس إلا في فترة الظهيرة فقط عندما تكون أشعة الشمس عمودية أما باقي الأوقات فالظل يكون يمين أو يسار هذه السكك تبعا لشروق وغروب الشمس.

مكانة قطر التراثية

يصف السيد عبدالعزيز البوهاشم السيد، الباحث في التراث والتاريخ القطري، فعاليات الدوحة عاصمة الثقافة الإسلامية، بأنها “خطوة كبيرة، تعكس أهمية قطر ومكانتها في العالم الإسلامي، فضلاً عن بصماتها في مختلف أصقاعه بالمساهمة في ترميم العديد من المواقع الأثرية، وهو ما يعكس الوعي الجمعي لدى أفراد المجتمع القطري بأهمية هذه الآثار، وأن دولة قطر صاحبة تاريخ عريق، وإرث تليد، تحرص على رعايته في مختلف البلدان”.

ويتابع: إن فعاليات الدوحة تعيد الذاكرة إلى هذا التاريخ العريق، خاصة وأن قطر ترجمت دعمها لرعاية المواقع التراثية بإقامة العديد من المعارض، ذات الطبيعة التراثية، فضلاً عما تزخر به متاحف قطر من مقتنيات تعود إلى عصور إسلامية متفاوتة، وهو أمر نفتخر به”.

ويثمن الأستاذ عبدالعزيز السيد جهود وزارة الثقافة والرياضة ومتاحف قطر في الحفاظ على الآثار، ونشر الوعي بها، عبر تنظيم فعاليات الدوحة عاصمة الثقافة الإسلامية، فـ”دولة قطر سباقة في مختلف المجالات الثقافية والتراثية والسياحية، وغيرها من مجالات أسهمت جميعها في رفع اسم الوطن عالياً، وهو ما انعكس على مكانة الدولة واقتصادها عالمياً، حتى أصبحت مقصداً للسياحة الدولية”.

ويُرجع هذه المكانة التي تبوأتها قطر أيضاً إلى ما شيدته من متاحف ومواقع تاريخية، توجتها بإدراج موقع “الزبارة” على قائمة التراث العالمي لمنظمة “اليونسكو”، فضلاً عما يضمه متحف الفن الإسلامي من آثار تعادل ما تضمه متاحف أخرى في دول العالم، ما يعكس أهمية ما تزخر به قطر من تاريخ عريق، وأن لديها رؤية استطاعت من خلالها الحفاظ على هذا الإرث التاريخي، ودمجه في المناهج التعليمية، وهو ما يعزز من رؤية قطر 2030، ويسهم بالتالي في توظيف هذا الإرث لدعم فعاليات الدوحة عاصمة الثقافة الإسلامية.

توظيف الآثار أدبياً

حول أهمية الجانب الثقافي في إبراز أهمية المواقع التراثية خلال فعاليات الدوحة عاصمة الثقافة الإسلامية. تقول الكاتبة نور عتيق المريخي، إن قطر شهدت تغيرًا سريعًا ودراميًا بعيدًا عن صيد اللؤلؤ التاريخي وأسلوب الحياة البدوي، بعد اكتشاف موارد النفط في الأربعينيات، وأن حماية هذا النوع من التراث مسؤولية اجتماعية لمنظمات المجتمع المدني وأفراد المجتمع وليس فقط دور المؤسسات الحكومية.

وتضيف أن تنمية الوعي بأهمية التراث غير المادي أمر حيوي، “فنحن بحاجة إلى تصفية التراث القطري النقي من التراث المتبنى، خاصة وأنه مع تطور الاقتصاد المحلي، بدأت الدولة في جذب قوة عاملة وافدة كبيرة، وشكل هذا تحديًا جديدًا للهوية الثقافية للبلاد”.

وتلفت إلى أن متاحف قطر تعمل مع المؤسسات التعليمية لإتاحة موارد للطلاب والباحثين ممن يدرسون التراث الثقافي، ويجب توجيه الباحثين الشباب إلى هذا المجال، مثلًا بإقامة دورة حول الأدب الشعبي في الجامعات والمشاريع المختلفة لحماية وتعزيز تاريخ وثقافة قطر”.

إثراء الثقافة الإسلامية

يقول د. عمر العجلي، أستاذ محاضر في كلية المجتمع، إن الثقافة الإسلامية هي معرفة مقومات الأمة بتفاعلاتها في الماضي والحاضر، وذلك في مجمل الدين واللغة والتاريخ والحضارة والقيم والتراكم الحضاري، “ومن هنا نُدرك أهمية الرسالة التي تلقتها الدوحة باختيارها عاصمةً للثقافة الإسلامية”.

ويتابع: إن الواقع الحضاري في قطر اصطبغ بالثقافة الإسلامية، من خلال تعميق السلوك الحضاري ضمن منظومة الأخلاق والقيم الموروثة، والمحصِّنة للفرد والمجتمع، وتأكيد الهوية والانتماء من خلال أذرع النشاط الثقافي، علاوة على دور رسالة المتاحف المتنوعة في تأكيد التواصل، والمساهمة بالتنوع الثقافي من خلال المكتبات والمؤسسات والمراكز الثقافية، وإسهام العملية التعليمية في التراكم المعرفي والعلمي، ومسيرتها في تعميق منظومة القيم.

ويلفت إلى الاهتمام بالمواقع التراثية التي هي حلقات وصل تلتقي فيها رؤية أجيال الحاضر والمستقبل مع قصص الماضي وأيامه المجيدة بما يعزّز الهوية التاريخية والانتماء الحضاري. وتجاوزاً لحقائق التاريخ البعيد التي أكدت أن قطر كانت ممراً للقبائل الكنعانية، ومفصلاً مرتبطا بحضارة بلاد الرافدين”. مؤكداً أن قطر أصبحت إحدى حواضر الدولة الإسلامية منذ عهد النبوة مروراً بالعهد الراشدي والأموي والعباسي، ثم مراحل التناوب القبلي بعد القرن السابع عشر الميلادي، والتي شهدت فيها قطر حقباً من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي ترك لنا إرثاً وتراثاً لعدد كبير من المواقع التراثية”.

ويقول: إنه “في عام 1956 جاءت البعثة الدانمركية وتلتها بعثات بريطانية وفرنسية ويابانية لمواصلة التنقيب عن الآثار وتم اكتشاف مجموعة من الآثار القديمة في قطر واكتشاف الكثير من المواقع الآثارية منها: الزبارة ومرْوَب، ولوسيل”.

ويخلص د. العجلي إلى أن موقعي الزبارة ومرْوَب يختصران هوية قطر وانتماءها الحضاري، وأن المواقع التراثية وما تحويه من كنوز معرفية وشواهد تاريخية، ساهمت في إثراء الثقافة وفهم طبيعة القبائل البدوية وغيرها ممن استوطنوا المنطقة وإسهاماتهم في قطر في مسار الحضارات القديمة إلى حين ظهور الإسلام وانتشاره في جزيرة العرب وخليجها، “مما يؤكد أن الاهتمام بالمواقع التراثية يعزّز ارتباطنا بتاريخ أمتنا وحضارتها”.

مكونات ثقافية

يؤكد د. علي عفيفي علي غازي، الباحث في التاريخ، أن المواقع التراثية، تُمثل مكونًا مهمًا من مكونات الثقافة الإسلامية، ولهذا تلعب دورًا حيويًا في تعزيز أهداف فعاليات الدوحة عاصمة الثقافة الإسلامية، “فهي تُبرز دور الثقافة والحضارة الإسلامية، وتُفيد الزائر ثقافيًا وترويحيًا وتعليميًا، وتعرّفه بالماضي العربي الإسلامي، وتُبرز مكانته بين شعوب العالم، كما تُبرز الهوية القطرية، والتي ترتكز على اللغة العربية، والحضارة الإسلامية، ومن ثم تُقدم ثقافة قطرية أصيلة، تُبين احتفاء قطر بماضيها وحاضرها، وتُعزز الانتماء الوطني، من خلال ما تضمه من شواهد تراثية وآثارية، وجوانب من التراث غير المادي، وتوثق التطور الذي شهدته قطر عبر تاريخها”.

ويضيف أن المواقع التراثية بمثابة مؤسسات ثقافية خدمية هدفها نشر الوعي بالتراث والحضارة ومنجزاتها المعمارية، وتقدم أسلوبا تقليديا للحياة والعمارة الإسلامية، وتأخذ الزائر في رحلة للتعرف على الفن والتاريخ الإسلاميين، وتؤكد على ما تحظى به قطر من آثار تاريخية، فضلًا عن اهتمامها ببناء معالم تراثية إسلامية تُبرز أهمية الدور الثقافي والإنساني.

ويقول إن المواقع التراثية تجعل من الدوحة فضاءً زاخرًا بالفعل الثقافي، ومرآة للتنوع التراثي، والحوار مع الآخر، وشاهدة على ثراء الثقافة المحلية، ودور قطر في تعزيز الثقافة في العالم الإسلامي، واعترافًا برصيدها الثقافي، واسهامها الحضاري، وشهادة على ذاكرتها التراثية، وتجعل من الدوحة أرضًا للحوار، وملتقى للثقافات، والانفتاح على الحضارات، وتخليدًا لأمجادها الحضارية، وتعزيزًا لحوارها الثقافي.

المصدر : جريدة الشرق